مؤلف مجهول
327
كتاب في الأخلاق والعرفان
وانصرني ولا تنصر عليّ ، وامكر لي ولا تمكر عليّ ، واهدني ويسّر الهدى لي ، وانصرني على من بغى عليّ . ربّ اجعلني شكّارا لك ذكّارا لك راهبا لك مطواعا لك محبّبا إليك أوّاها منيبا . ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي واستر عورتي وأقل عثرتي وأجب دعوتي واقض حاجتي وثبّت حجّتي واهد قلبي وسدّد لساني واسلل سخيمة قلبي وأصلح نيّتي يا أرحم الرّاحمين « 1 » . كلّ ذلك منه صلّى اللّه عليه وآله دلالة على الافتقار إلى اللّه والتّضرّع إليه والتّذلّل في مقام الخدمة والاعتراف بالعجز عن قضاء الحقّ والقيام بالأدب على إقدام الحياء في بساط الخدمة معتذرا بلسان الخجل من تقصير الشّكر . وقيل : الاعتراف يهدم الاقتراف ، والتّوبة تغسل الحوبة . وقيل : التائب تبكيه خطيئته ، والزّاهد تبكيه غربته ، والعارف يبكيه خوف زوال الإيمان . وقيل : التائب يرتع في مرج الحكماء ، والزّاهد يرتع في مرج العلماء ، والمريد يرتع في بستان العرفاء ، والعارف يرتع في ميدان الأولياء « 2 » . قال من كسر الشّباب على نفسه وكسر الدّنيا على رأس الشّيطان ولزم الفطام حتّى أتاه الحمام . وينبغي للعبد أن يجدّد التّوبة كلّ ساعة ولا يسوّفها لحظة ، فإنّ الخطر عظيم والأمر قريب والفوت آت لا محالة ، فهناك لا إقالة من عثرة ولا رجعة لتوبة . طويت الصّحف وجفّت الأقلام وأغلق الباب وختم الكتاب وكشف الحجاب ورفع العتاب وتقطّعت الأسباب وبرد الجنان وخرس اللسان وانقطع البيان وظهرت الحقائق وبطلت الدّقائق ولا ينفع الاعتذار من عظيم الأوزار والويل لأهل الإصرار ، فطوبى لمن ندم على ذنبه قبل منيّته واعتذر من خطيئته قبل قضيّته وقدّم من صالح الأعمال ولم يركن إلى أحسن الأحوال . فقد قيل : الدّنيا خمر الشّيطان ؛ من سكر منها لم يفق إلّا في عسكر الموتى نادما بين الخاسرين .
--> ( 1 ) . راجع مسند أحمد : 227 وسنن ابن ماجة 2 / 1259 وسنن التّرمذي : 5 / 214 . ( 2 ) . هنا سقط من الأصل سطر واحد .